لو عاد الزمن الجميل

ameertag

 

أمير تاج السر
حضرت مرة، منذ عدة سنوات، محاضرة في الخرطوم، بعنوان: شهادة على العصر، ألقاها الدكتور حيدر إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع المعروف ومؤسس مركز الدراسات السودانية، ذلك الصرح التنويري الكبير، في ساحة المجلس القومي لرعاية الآداب والفنون.

تحدّث حيدر في تلك المحاضرة، عن الهَمِّ السياسي والثقافي لبلاده عبر سنوات طويلة، عاصر بعضها. تحدث عن إشراقات جيله، وإخفاقاته أيضاً، ونظرته الخاصة لمستقبل السودان خاصة، في ظِلّ المتغيرات الكثيرة التي حدثت في العالم. أيضاً تحدّث عما يُصطلح عليه بالزمن الجميل، مُستغرباً تلك الإحالة المستخدمة كثيراً، وعما يقصد بذلك الزمن، حين يتأسى أحد على الزمن الجميل الماضي، ولا يكون جميلاً على الإطلاق. بل ربما أكثر قسوة من الزمن المعيش، ويرى هو شخصياً: أن السودان لم يمرّ بزمن جميل قط حتى يبكي عليه أحد، وكل الأيام كانت وما تزال واحدة وقاسية. واستشهد بعصر الاستعمار الإنجليزي المُستَبِد، وعدم الاستقرار السياسي بعد أن انتهى ذلك العهد، وما مسألة الزمن الجميل تلك سوى اختراع مرادف للتأسي بلا أي سند واقعي.في هذه المسألة، فأنا شخصياً لي رأي آخر، مختلف، فنحن لسنا وحدنا من يتأسى على زمن جميل مضى، ولكن تشاركنا في ذلك، كل الشعوب تقريباً. الماضي الجميل هنا قد لا يعني رغداً في العيش أو حياة بلا متاعب، أو بلاداً هادئة مستقرة تعطي كل ذي حق حقه، ولكن بالقطع يعني علاقة الفرد مع مجتمعه وخلو ذهنه الشخصي وتصرفاته، من كل أنواع التطرف والعنف الذي سيصادفه فيما بعد. فالذي عاش صغيراً في فترة الستينيات والسبعينيات، من القرن الماضي يرى تلك الفترة أخصب أيام حياته، يبكيها بحرقة، كلما ورد ذكرها، ويتمنى عودتها، والذي يعيش صغيراً في أيامنا هذه التي لا نعتبرها زمناً جميلاً على الإطلاق، لما حوته من متغيرات وصياغات غريبة في المجتمعات، قد يأتيه يوم يبكيها، باعتبارها أفضل أيام حياته. في رأيي أيضاً، توجد كثير من الدلائل التي تصف زمناً ما بأنه زمن جميل، وآخر بأنه غير ذلك، وتفضل أحدهما على الآخر، وأقول صراحة فيما يختص بالسودان، إن ماضيه الاجتماعي أفضل آلاف المرات من حاضره الاجتماعي الذي نعيشه اليوم، هناك توجد سطوة الأخلاق التي تجعل مجرد جار في الحي، أباً لأي طفل يسكن في الجوار، وحامياً لكل أسرة تقطن، في غيبة حاميها. سطوة التقدير التي تجعل مدرساً في المدرسة الابتدائية مُهاباً حتى وهو يمشي في طرق بعيدة عن المدرسة، أو يتسوّق من السوق، وأذكر حتى الآن الأستاذ عطا المنان، الذي كان يطوف أحياء مدينة بورسودان على دراجته ليلاً يتفقد الحفلات الضاجة، ودور السينما، حتى إذا ما عثر على تلميذ من تلاميذ المدرسة في إحداها، اقتنصه وعاقبه عقاباً شديداً صباح اليوم التالي، ونتيجة لذلك، لم يعد أحد يجلس في أي حفل عرسي حتى لو كان في بيته. أو يدخل السينما إلا برفقة ذويه. والآن لا نستطيع السيطرة على أبنائنا، لا نستطيع انتزاعهم من سطوة الهواتف المحمولة، وصفحات الفيسبوك التي يصادقونها أكثر من مصادقتهم لأفراد العائلة.يوجد زمن جميل بلا شك، توجد أيام عذبة لن تعود، ولذلك لا نستطيع إلا أن نتذكر ونردِّد في كل مناسبة: لو عاد الزمن الجميل.

 

 
الدوحة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


مواضيع المجلة
ارشيف المجلة