فراق .. شعر: عثمان محمد صالح العربي

 

 1609842_260219647478076_51760792_n

 

وأنا في ذات يومٍ، .. 

عن ديار الأهل مرتحلاً مسافر،

خيَّم الحـزن على صدري،

وأغـمد خنجراً في الجوف غائر

 

فحملته، رغم العناءِ، .. 

وقمتُ أمشي هائماً في الحي، أسعى ..

بين أطراف البساتين النضيرة والمنازل والمتاجر

غارفاُ من بحرها الزاخر ..

سقيا الروح في صحراء تسفاري، وفي ظمأ المَهاجر

 

وأنا في خطوي المحزون سائر ..

ساقني شوقي إلى دارٍ ..

لها في القلب أُنسٌ وشجونٌ، وخواطر 

قاصداُ في الأصل امرأة عجوزاً، حبها في النفس غائر

 

لم تكن شيئاً سوى جسدٍ هزيلٍ، هامدٍ فوق حصائر،

وجهها وَهِنٌ، وشيب الرأس فيه متناثر، 

والعيون الصُفْر انطفأت وغارت في المحاجر

..

 

عرفتني، حين أديتُ التحيه

وعـندما أخـبرتها عمَّا لديَّ، 

عبَسَت من فرط حزنٍ وأسيَّه

سحبتني في حنان الأم، واحتضنت يديَّ

حدَّقت صامتة ً بوجهي،

ثم جالت طرفها التائه حيناُ في عوالمها الخفيه

واستدارت بعدها نحوي وقالت:

 

“يا بُنيَّا ..

سَعد عَينيَّا ..

ونفحُ الطيبِ صُبحاً وعشيّا ..

نأيك اليوم فراقاً أبديّا، ..

لن تراني ..

بعد هذا اليوم يا ولدي يقيناُ لن تراني

نفد العُمـر ، وولى هـارباً عني زماني

 

.. ..

 

وتذكرت زمان الحاجة “ريَّا” ..

كيف غَنَّت بالزعاريد ..

ومالت وتثنَّت، كصبيّه ..

وعروسي يدها بين يديها ويديَّ

إذ تراقصنا سويَّا .

..

 

لمحةٌ وَمَضت أمامي، لثواني ..

فمحاها صوتها الحاني يردد ..

“لن تراني ..

بعد هذا اليوم يا ولدي يقيناُ لن تراني”

..

 

جمد الحزن بعينيها ..

وأحزاني .. سالت  

وتعالت غُصةٌ في الحلق ..

مطـبقة على صـوتي، وآهاتي توالت 

 

حدَّقَتْ في وجهي المحـزون لحظاتٍ،

وقالت:

 

وإذا ما عدت يوماً أيها الولد المسافر،

سـتراني “شاهداً” بين المقابر

يومها لا تنس أن تأتي إلى قبري زائر

ودواماً يا بنيَّ ، عُد إليَّ،

وإذا مرَّ خيالي في خواطرك النديهَّ ..

وإذا العصفور عند الفجر  ..

أرسل لحنه العذب الشجيَّا ..

اسأل الرحمن غفراناً وإحساناً إليَّ

.. 

 

فُتُها والدمع من عينيّ شلالاً رويّا،

بعد أن قبلت وجهاً شاخصاً نحوي مَلِيّا

..

..

وفي بلاد مزَّقت قلبي، وأدمت مقلتيّا،

وقبل أن أضع الرحال،

خبروني ..

أنها ارتحلت بطهر الروح للذات العليِّه

وتوارت جثة تحت رمال الأبدية.

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


مواضيع المجلة
ارشيف المجلة